مجموعة مؤلفين

149

النور الأبهر في الدفاع عن الشيخ الأكبر

--> بذاته عين ذاته ، فلا إيراد ، وصورة هذا التعيّن الأول هو التجلّي الذاتي الأول أي : التجلي بصورة هذا التعيين الذاتي ، فتجلّى تعالى لذاته بذاته في ذاته ، فحصل علم وعالم ومعلوم ، ووجد الذات نفسه من غير توهّم سبق خفاء واستتارا ، بل ذلك مجرد اعتبار لا حقيقة ؛ فإن الأمر كائن لا محالة ، وهذه الثلاثة الحاصلة من هذا التجلي : أعني العلم والعالم والمعلوم . وإن شئت قلت : المتجلي والمتجلى فيه والمتجلي له هو شيء واحد ذاتا مختلف اعتبارا . قال حضرة شيخي : يعني ترجع هذه الثلاثة إلى شيء واحد ، وهو الذات البحت ، قبل اعتبار هذا التعين والتجلي الذاتيين ، فإن مرتبة الأحدية المنطوية على كل شيء تنفي التعدد والتغير لذاتها ، وقد بقي مرتبة واعتبار ثالث للوجود ، وهو ألا يأخذ بشرط شيء ، ولا بشرط لا شيء ، ويسمّى الذات بهذا الاعتبار بالهوية السارية في جميع الموجودات ، وبقي اعتبارات متداخلة فيما ذكرناه من المراتب ، وسيأتي التعرض لها إن شاء اللّه تعالى . وقد جعل العارف الفرغاني في مقدمته على شرحه لتائية سيدي عمر بن الفارض أول تعيّن تعيّن به الحق تعالى هو الوحدة الذاتية أي : غير الزائدة على الذات الأقدس ، بمعنى أن ما ينسب إلى ذاته تعالى ينسب إلى هذه الوحدة ، ولها اعتباران أصليان : أحدهما : سقوط الاعتبارات عنها بالكلية ، وتسمّى الذات بهذا الاعتبار بالاسم الأحد ، ومتعلقه بطون الذات وإطلاقها وأزليتها . والاعتبار الثاني : ثبوت الاعتبارات الغير المتناهية لها : أي لتلك الوحدة الذاتية ، مع اندراجها فيها اندراجا جمليّا في أول رتب الذات ، وتسمّى الذات بهذا الاعتبار بالاسم الواحد ، ومتعلقه ظهور الذات ووجودها وأبديتها ، فكانت الوحدة المذكورة برزخا بين هذين الاسمين ومنشأ لهما ، وهما متفرعان منها . وهذه الاعتبارات الثابتة للواحد في أول رتب الذات لا مغايرة بينها ولا تميّز ولا تفصّل ، بل لا مغايرة بينها وبين الذات في هذه المرتبة ، بل هي عين الذات ، بمعنى أن كل ما يضاف إلى الذات يضاف إليها : من الجمعية والاشتمال على الكل ، حتى أنه لا مغايرة في هذه المرتبة بين هذين الاعتبارين المذكورين ؛ لأن هذه المرتبة لذاتها تنفي التعدد والغيرة ، فإذن كلّ من الاعتبارات عين الآخر بل عين الذات ؛ لما أسلفناه وقدّمناه . قال العارف الفرغانيّ : ولا يعرف ارتفاع المغايرة بين الاعتبارات في أول رتب الذات ، إلا من ارتفع حالا ومقاما عن التقييد بالمراتب المقيّدة بأحكام الكثرة .